ابن الجوزي

305

زاد المسير في علم التفسير

قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( 13 ) قوله [ تعالى ] : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ) في المخاطبين بهذا ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم المؤمنون ، روي عن ابن مسعود ، والحسن . والثاني : الكفار ، فيكون معطوفا على الذي قبله ، وهو يخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا . والثالث : أنهم اليهود ، ذكره الفراء ، وابن الأنباري ، فإن قيل : لم قال : ( قد كان لكم ) ولم يقل : فالجواب من وجهين : أحدهما : أن ما ليس بمؤنث حقيقي ، يجوز تذكيره . والثاني : أنه رد المعنى إلى البيان ، فمعناه : قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى ، وترك اللفظ ، وأنشدوا : إن امرءا غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور وقد سبق معنى " الآية " ، و " الفئة " وكل مشكل تركت شرحه ، فإنك تجده فيما سبق ، والمراد بالفئتين : النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ومشركو قريش يوم بدر . قاله قتادة والجماعة . وفي قوله [ تعالى ] : ( يرونهم مثليهم ) قولان : أحدهما : يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله الفراء ، واحتج بأنك إذا قلت : عندي ألف دينار ، وأحتاج إلى مثليهما ، فإنك تحتاج إلى ثلاثة آلاف . والثاني : أن معناه يرونهم ومثلهم ، قال الزجاج : وهو الصحيح قوله [ تعالى ] : ( رأي العين ) أي : في رأي العين . قال ابن جرير : جاء هذا على مصدر رأيته يقال رأيته ، يقال : رأيته رأيا ورؤية . واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة أقوال : هي التي ذكرناها في قوله تعالى : ( قد كان لكم آية ) فإن قلنا : إن الفئة الرائية المسلمون ، فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين ، فرأوهم على ما هم عليه ، ثم نصرهم الله ، وكذلك إن قلنا : إنهم اليهود . وإن قلنا : إنهم المشركون ، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر . وقد قرأ نافع : " ترونهم " بالتاء . قال ابن الأنباري : ذهب إلى أن الخطاب لليهود . قال الفراء : ويجوز لمن قرأ " يرونهم " بالياء أن يجعل الفعل لليهود ، وإن كان قد خاطبهم في قوله [ تعالى ] : ( قد كان لكم آية ) لأن العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى الخطاب . وقد شرحنا هذا في